عمر بن محمد ابن فهد

80

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم ، فقال لي يوما من الأيام : يا أمّاه . مالي لا أرى إخوتي بالنهار ؟ قلت : فداء لك نفسي ، يرعون غنما لنا فيروحون من ليل إلى ليل . فأسبل عينيه وبكى وقال : يا أمّاه ، فما أصنع هاهنا وحدى ؟ ابعثينى معهم . قلت : أو تحبّ ذلك ؟ قال : نعم . فلما أصبح دهنته وكحّلته وقمّصته ، وعمدت إلى خرزة جزع يمانية فعلقت « 1 » في عنقه من العين ؛ فأخذ عصا وخرج مع إخوته ، فكان يخرج مسرورا ويرجع مسرورا . فلما كان يوما من الأيام « 2 » خرجوا يرعون بهما لنا حول بيوتنا ، فلما انتصف النهار إذ أنا بابنى ضمرة يعدو فزعا وجبينه يرشح ، قد علاه البهر « 3 » ، باكيا ينادى : يا أباه ويا أمه ، الحقا أخي محمدا فما تلحقانه إلا ميّتا ، قلت : وما قصته ؟ قال : بينا نحن قياما نترامى ونلعب إذ أتاه رجل فاختطفه من أوساطنا ، وعلا به ذروة الجبل - ونحن ننظر إليه - حتى شق من صدره إلى عانته ، ولا أدرى ما فعل به ، وما أظنكما « 4 » تلحقانه أبدا إلا ميّتا . فأقبلت أنا وأبوه - يعنى زوجها - نسعى سعيا فإذا نحن به قاعدا على ذروة الجبل شاخصا ببصره إلى السماء يبتسم ويضحك ، فأكببت عليه وقبّلت بين عينيه وقلت : فدتك « 5 »

--> ( 1 ) كذا في الأصول . ولعلها « فعلقتها » . ( 2 ) كذا في ت . وفي م ، ه ، والخصائص الكبرى 1 : 137 « من ذلك » . ( 3 ) البهر : تتابع النفس من الإعياء . ( المعجم الوسيط ) ( 4 ) كذا في م ، ه . وفي ت « ولا أظنكما » . ( 5 ) كذا في م ، والخصائص الكبرى 1 : 137 . وفي ت « فدو لك » وفي ه « فدوتك » .